الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
462
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الملفت للنظر ، أن آزر لم يكن راغبا حتى في أن يجري إنكار الأصنام أو مخالفتها وتحقيرها على لسانه ، بل إنه قال : أراغب أنت عن هذه الآلهة ؟ حتى لا تهان الأصنام ! هذا أولا . ثانيا : إنه عندما هدد إبراهيم ، هدده بالرجم ، ذلك التهديد المؤكد الذي يستفاد من لام ونون التوكيد الثقيلة في " لأرجمنك " ومن المعلوم أن الرجم من أشد وأسوء أنواع القتل . ثالثا : إنه لم يكتف بهذا التهديد المشروط ، بل إنه اعتبر إبراهيم في تلك الحال وجودا لا يحتمل ، وقال له اهجرني مليا أي ابتعد عني دائما ، وإلى الأبد ( كلمة " مليا " - حسب قول الراغب في المفردات - أخذت من مادة الإملاء ، أي الإمهال الطويل ، وهي تعني هنا أن ابتعد عني لمدة طويلة ، أو على الدوام ) . وهذا التعبير المحقر جدا لا يستعمله إلا الاشخاص الأجلاف والقساة ضد مخالفيهم . بعض المفسرين لا يرى أن جملة " لأرجمنك " تعني الرمي بالحجارة ، بل اعتقد أنها تعني تشويه السمعة والإتهام ، إلا أن هذا التفسير يبدو بعيدا ، وملاحظة سائر آيات القرآن - التي وردت بهذا التعبير - شاهد على ما قلناه . لكن ، ورغم كل ذلك ، فقد سيطر إبراهيم على أعصابه ، كبقية الأنبياء والقادة الإلهيين ، ومقابل هذه الغلظة والحدة وقف بكل سمو وعظمة ، وقال سلام عليك . إن هذا السلام يمكن أن يكون سلام التوديع ، وأن إبراهيم بقوله : سلام عيك وما يأتي بعده من كلام يقصد ترك آزر . ويمكن أن يكون سلاما يقال لفض النزاع ، كما نقرأ ذلك في الآية ( 55 ) من سورة القصص : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين . ثم أضاف : سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا . إن إبراهيم في الواقع قابل